الشركات العربية تستحق أنظمة بمستوى المؤسسات

في كل قسيمة راتب مصرية سليمة سطرٌ اسمه استقطاع صندوق الشهداء. سطر صغير، لا يعرفه أي منتج عالمي، ولا تخلو منه قسيمة واحدة. وحين تسأل عنه في تنفيذ عالمي نموذجي تأتيك الجملة التي صرت أعرفها قبل أن تُقال: «حالة استثنائية، نؤجّلها إلى المرحلة الثانية.»

والمشكلة ليست في السطر، بل في الجملة.

فهذه البنود لا تُدرَج في قائمة الاستثناءات لأنها نادرة، بل لأن من صنّفها لم يقف يومًا موقف من يوقّع الإقرار. في مصر، الرواتب هي الرواتب، والفوترة هي الفوترة. وما من صورةٍ للشركة تعمل بغير هذين فتُرجئهما إلى ما بعد التسليم. وما يحدث حين تؤجَّل معروف: تصدير إلى إكسل، وشخص يقضي كل شهر يطابق يدويًا ما كان ينبغي أن يحسبه النظام.

وللسطر إخوة كثيرون. الفاتورة الإلكترونية في مصر ليست خاصية تشغّلها في النهاية؛ هي تحكم بنية المستندات وترميزها وطريقة إرسالها، والخطأ فيها ليس مسألة شكلية. والرواتب تُحسب بشرائح لا تشبه النماذج المسطّحة التي تأتي بها معظم وحدات المرتبات الجاهزة. والتأمينات الاجتماعية لها أوعيتها وقواعدها. وفي الخليج صارت ضريبة الشركات في الإمارات قيدًا قائمًا يُنمذَج بدقة، لا يُقدَّر تقريبًا في آخر السنة.

نسمّي معالجة هذا كله «التوطين»، وهي تسمية رديئة، إذ تُحيل الذهن إلى الترجمة. أن تنقل الواجهة إلى العربية وتقلب الاتجاه من اليمين إلى اليسار مجاملة لطيفة، غير أنها ليست توطينًا في شيء. التوطين أن يصمد النظام أمام الواقع القانوني والتشغيلي للبلد الذي يعمل فيه.

وحول هذا الفشل بالذات نُسجت حكاية تُروى عن منطقتنا، ويرويها عادةً من لا يعيش فيها: الشركات العربية متأخرة، تقاوم الأنظمة، السوق غير ناضج، والكفاءات قليلة. عملت في القاهرة وفي الإمارات عشرين عامًا، موظفًا ثم مصنّعًا ثم شريكًا في وكالة إعلان، والآن في جانب التنفيذ. الحكاية غير صحيحة، وهي غير صحيحة بطريقة مريحة جدًا لمن يرويها.

فالميزانية موجودة، والكفاءات موجودة وأنا أوظّف منها. أمّا الناقص فعلى الجهة الأخرى من الطاولة: من ينفّذ النظام لم يُضطر يومًا إلى إدارة شركة تحت هذه القواعد. هي فجوة معرفة لا فجوة قدرة، ولا شأن لها باسم الشركة المنفّذة ولا بحجمها. الشركة الدولية الكبيرة تستطيع بالتأكيد أن تُسنِد مشروعك إلى فريق كفء، بيد أنّ هذا الفريق قلّ أن يكون بين أفراده من صرف رواتب مصنع في مصر بيده، أو ذاق ما يفعله موعد استحقاق ضريبي بسيولة شركة صغيرة، أو يعرف أن العميل حين يطلب شيئًا «مرنًا» فهو في الغالب يصف قيدًا حقيقيًا يعجز عن تسميته.

ولك أن تعرف هذا من الكود وحده، دون أن تسأل من كتبه عن سيرته. حين تجد الشريحة حقلًا يُعدَّل لا رقمًا مثبتًا في السطر، فقد كتبها من ينتظر التعديل قبل أن يصدر. وحين تجد خطوة تُركت عمدًا بيد إنسان في عملية أُتمتت كلها، فقد كتبها من يعرف من يوقّع وأين يتردد. المعرفة بهذه السوق حِلية تُزيَّن بها السيرة عند من لا يملكها؛ أمّا من يملكها فهي عنده قرارٌ في المعمار لا سطرٌ في التعريف.

والطاولة لا تُصلَح إلا من جهة واحدة. فمن يبقى مع النظام بعد التسليم، ويتحمّل نتيجته في الشهر الثالث كما تحمّلها في أسبوعه الأول، لا يملك ترف أن يبدأ من نموذجٍ عام؛ يبدأ من حيث تقف الشركة فعلًا لأن لا مهرب له من ذلك. ومن كتب سطر صندوق الشهداء بيده مرة واحدة لن يسمّيه استثناءً أبدًا.