العمليات أولًا

في كل شركة دخلتها خطوة تجري على رسالة واتساب. طلب متوقف، فيرسل أحدهم رسالة إلى أحدهم، فيتحرك الطلب. لا أثر لهذه الخطوة في أي مخطط، ولا حقل لها في أي نظام، ومع ذلك لا يمشي العمل بدونها.

وأول ما أبحث عنه في أي مشروع هو هذه الرسالة. ليست عيبًا في العميل يُصلَح بالتدريب، بل هي المتطلّب الذي لم يكتبه أحد؛ والدليل أنها بقيت حيّة رغم كل نظام اشترته الشركة.

والرسالة الباقية حكمٌ لا شكوى. تقول في سطر واحد ما لا يقوله تقرير: أن النظام القائم بُني حول شركة أخرى، وأن الفريق يعرف ذلك ويعوّضه كل يوم من وقته.

ولهذا لا أسأل عن يوم الإطلاق. يوم الإطلاق لا يشهد لأحد؛ الأنظمة كلها مطيعة ما دام من بناها جالسًا في الغرفة. أنا أسأل عمّا يبقى بعد أن أخرج منها. بعد ستة أشهر: هل أضاف الفريق مرحلة بنفسه حين تغيّر العمل؟ هل عدّل فيه من لم يشارك في المشروع أصلًا، وصمد تعديله؟ أم نبت إلى جانبه ملف إكسل موازٍ، كما نبت إلى جانب كل نظام قبله؟

والغاية من هذا كله أن أصير أنا زائدًا عن الحاجة. لا أن تخفّ حاجة العميل إليّ، بل أن تنقطع. فالنظام الذي لا يقوم إلا بمن نفّذه ليس نظامًا؛ هو ظلّ رجل، يزول بزواله.

وأكثر ما يدهشني أن الشركة تبلغ هذا الحال باختيارها. تبدأ بقرار سليم: نحتاج إلى نظام. ثم تختار من بين ما يُعرَض عليها، وتقارن بجداول كتبها من لا يعرف اسمها. وما إن توقّع حتى ينقلب الاتجاه: بدل أن يتشكّل النظام على الشركة، تتشكّل الشركة على النظام. تسمّي مراحلها بأسماء لم تكن تسمّيها بها، وتُسقط خطوات لأنها لم تجد لها حقلًا، وتفتح ملف إكسل موازيًا تُودع فيه ما ضاق عنه التصميم. وبعد ثمانية عشر شهرًا تصدر الجملة: «النظام لم ينجح معنا.» والحقيقة أن أحدًا لم يفشل هنا. كلٌّ أدّى دوره: البائع باع ما عنده، والشركة صدّقت أن ما عنده لها.

وأنا أقول هذا وقد ذقت الفشل من طرفيه. اليوم أنا في جهة من ينفّذ؛ وقبلها أدرت وناس سي إن سي للتصنيع، ثم وكالة إعلان في الإمارات، وكنت أنا العميل الذي طُلب من عمليته أن تنحني لما اشتراه. ومن دفع ثمن هذا الانحناء مرة واحدة من جيبه لا يعود يقرأه سطرًا في مستند.

ولهذا أبدأ من حيث ينتهي غيري. لا أفتح إعدادًا واحدًا قبل أن أرى العمل وهو يجري. والشركة لا تخبرك بهذا حين تسألها؛ تحيلك إلى هيكلها التنظيمي، وإلى مستند إجراءات كُتب لغرض آخر ولم يقرأه من ينفّذ. أمّا الحقيقة فعند من ينفّذ: من يتولّى الخطوة اليوم لا من كُتب اسمه أمامها، وماذا يصنع حين يغيّر العميل رأيه في آخر لحظة، وأين يقف الطلب وهو ينتظر ومن يعرف أنه واقف. ثم يأتي الترتيب، وهو عندي أهمّ من كل اختيار بعده: تعرف، ثم تختار، ثم تطوّع. ومن بدأ من الأداة بنى كل ما تلاها على افتراض لم يوافق عليه أحد.

وعند هذا الحد فقط أفتح الأدوات. الأداة تأتي متأخرة عندي عمدًا، لأنها آخر من يُستشار في شكل العمل لا أوّله. في زوهو يعني هذا أن يحكي الـBlueprint انتقالات الشركة كما هي، لا كما تُستحسن في المخطط: فإن لم تكن للمرحلة بوابة في الواقع فلا بوابة لها في التصميم، إذ اختراع قاعدة لتجميل الشكل تعليمٌ للفريق أن يكذب على النظام من أول يوم. وما ضاق عنه المنتج يكتبه Deluge: الموافقة المعلّقة على هامش لا يحسبه أحد بهذه الطريقة، أو المستند الذي لا يتحرك أحد قبل وجوده. وما كان خارج المنصة حقًا فله طبقة وسيطة تُكتب من أجله، لا حقلٌ أُنشئ لغيره وأُقحم فيه.

أمّا العلامة التي أنتظرها فبسيطة: أن تكون تلك الرسالة قد صارت خطوة داخل النظام، أو أن تكون قد سقطت لأنها لم تعد لازمة. وفي الحالين، لم يعد أحد مضطرًا إلى معرفة رقم أحد.